أحمد أمين
96
كتاب الأخلاق
والإنسان نفسه خاضع لقوانين طبيعية كثيرة تخصص لكل طائفة منها علم خاص ، فعلم يبحث فيه من حيث هو كائن عاقل وهو « علم النفس » ، فهو يبحث في القوانين الطبيعية التي تخضع لها قواه العاقلة ، وعلم يبحث فيه من حيث هو كائن اجتماعي وهو « علم الاجتماع » ، فهو يبحث في الجمعية البشرية ، وبعبارة أخرى في الإنسان من حيث علاقته بالمجتمع الذي فيه ولد وفيه يعيش ، وقد استكشف في العصور الأخيرة قوانين طبيعية للمجتمع ثابتة لا تتخلف وبرهن على صحتها . كذلك لمعاملة الناس بعضهم بعضا قوانين تبين خيرها وشرها وتبين ما يوصل منها إلى السعادة وما يبعد عنها ؛ كالقوانين التي تأمر بالصدق والعدل وتنهى عن الكذب والظلم ، والعلم الذي يهتم ببيانها هو « علم الأخلاق » . وهذه القوانين شأنها شأن سائر القوانين الطبيعية في أنها ثابتة لا تتغير ، وإنما الذي يتغير رأينا فيها ونظرنا إليها ، فالمعاملة الخيرة التي يجب على الناس أن يعملوا بها ثابتة لا تتغير وإن تغير رأي الناس فيها ، فالأولون المتبربرون كانوا أكثر نزاعا وأقل احتراما لحقوق الغير ، لا يعنون إلا بأنفسهم وأقرب الناس إليهم ، وكان القوي يتعدى على الضعيف فيسلبه ماله أو حياته ، وكانوا يرون الخير فيما يعملون ، والناس اليوم أقل نزاعا وأكثر تعاونا ، يرون من الخير العناية بالجريح في الحروب وإن كان من الأمم المعادية ، بعد أن كان القدماء يرون الخير في الإجهاز عليه ، وهم اليوم ينشئون المستشفيات للمرضى ويعنون بالمسجونين تربية وتهذيبا ، ولا يرون الاسترقاق جائزا ، وهم يرون الخير في ذلك كما كان القدماء يرون الخير فيما يسيرون عليه ، وسيكون من بعدنا أرقى معاملة وأحسن نظاما - ولكن المعاملة التي هي خير لجميع الناس شيء واحد بالنسبة لنا وللسلف والخلف على السواء وإن جهلها بعضهم - وعمل علم الأخلاق الاجتهاد في البحث عنها واستكشافها لا في خلقها من جديد . وهناك نوع آخر من القوانين التي يخضع لها الإنسان يسمى « القوانين الوضعية » ، وهي مجموعة الأوامر والنواهي التي تضعها الحكومة ، هي لا تكافىء المطيع ولكن تعاقب العاصي بعقوبات تختلف باختلاف الجريمة ، وقد اهتمت الحكومات بهذه القوانين فأحاطتها بشرطة لحمايتها وقضاة لإيقاع العقاب على من يخالفها ، فإذا ارتكب إنسان جريمة القتل مثلا قبض عليه رجال الشرطة وحوكم